نخبة من الأكاديميين
92
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
ومن أمثلة الروايات التاريخية الشعرية الشعبية عن الحروب الصليبية تلك القصيدة التي تحمل عنوان « أنشودة القدس La Chanson de Jerusalem التي تحكى مغامرات " غودفروا دو بويون " Godefroi de Boullion في أثناء الحملة الصليبية الأولى . وفي هذه القصيدة نجد الموقف نفسه الذي يجعل الصليبيين على حق فالرب أمرهم بشن الحرب على الكفار الذين يضطهدون المؤمنين به على حد زعمهم . وهذه الموقف متكرر في ذلك النوع الشعري الذي اصطلح المؤرخون ومؤرخو الأدب على تسميته Chansons des Croisades أي أغاني الحملة الصليبية . وفي جزء كبير من هذه الأغاني نجد قصائد حب تتناول موضوعات غرامية مختلفة : مثل الأسى لفراق المحبوبة أو مناجاتها ، أو ما شابه ذلك . بيد أنها جميعًا تكشف عن الظروف الوجدانية السائدة ومدى قبح الصورة التي ترسمها هذه الأغاني للإسلام والمسلمين . ومن هذه القصائد القصيرة نجد أغنية تتحدث عن الحملة الصليبية الثانية ؛ فقد كان ملك بيت المقدس الصليبي صبيًا في الخامسة عشرة من عمره ، عندما حدث في عيد الميلاد سنة 1144 م أن قام « عماد الدين زنكي » باسترداد الرها من الصليبيين ، وأعلن لويس السابع ملك فرنسا عزمه على الخروج في حملة صليبية ضد عماد الدين زنكى وابنه نور الدين محمود ، ثم خرج لويس فعلًا في الثاني عشر من يونيو 1147 م . وتتحدث الأنشودة عن أن المسلمين استولوا على أرض الرب التي كانت تتم فيها عبادته : " لقد استولوا على الرها ، وعليكم إنقاذها مم يخشى المسيحيون ؟ لقد نهبت الكنائس ودُمرت ولم يعد هناك من يضحي للرب أيها الفرسان ، فكروا في هذا إن الشعر المعروف باسم « أغاني الحروب الصليبية » يكشف عن صورة جامحة ، نزقة وقاسية ، لموقف أوروبا الكاثوليكية من « العالم المسلم » ؛ ولكنه يكشف من ناحية أخرى عن أنها كانت صورة رائجة متكررة في « أغاني الحروب الصليبية » التي كانت شكلا من أشكال الكتابة المحلية تظهر فيها الحملات الصليبية باعتبارها موضوعًا منذ حوالي منتصف القرن الثاني عشر فصاعدًا . ولم يبق من هذه الأغاني سوى القليل ؛ فالأغاني التي اتخذت من الحركة الصليبية موضوعًا وحيدًا لها نادرة نسبيًا ؛ ولكن هناك أغاني كثيرة تلعب فيها الحركة الصليبية دورًا ما موضوعاً ، أو قصة مجازية ، أو تطويراً لفكرة أخرى . ويذكر أحد الباحثين أن هناك مئة وستة أمثلة من هذه الأغاني باللغة الأوكسيتانية Occitan ، التي كانت اللغة الأدبية في جنوب فرنسا آنذاك ، وحوالي أربعين مثالًا بالفرنسية القديمة ، وثلاثين بالألمانية ، ومثال واحد بالإسبانية ، واثنان بالإيطالية . وربما لم تكن أغاني الحروب الصليبية نوعًا أدبيًا ؛ لأن الشعراء ضمنوا إشارات إلى الحملات